الشيخ محمد رشيد رضا

134

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من تأويل وتفويض ، اجتنابا من قوم للتعطيل ومن آخرين للتشبيه ، وإنما الفرق بينهما ان إثبات الكلام والتكليم للّه تعالى صريح في القرآن المجيد في آيات متعددة لا تعارض بينها ، وأما رؤية الرب تعالى فربما قيل بادي الرأي إن آيات النفي فيها أصرح من آيات الاثبات كقوله تعالى ( لَنْ تَرانِي ) وقوله تعالى ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) فهما أصرح دلالة على النفي من دلالة قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ) على الاثبات فان استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وكلام العرب كقوله ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة - هل ينظرون إلا تأويله - هل ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه في ظلل من الغمام والملائكة ) وثبت انه استعمل بهذا المعنى متعديا بالى ولذلك جعل بعضهم وجه الدلالة فيه على المعنى الآخر - وهو توجيه الباصرة إلى ما تراد رؤيته - انه اسند إلى الوجوه وليس فيها ما يصحح اسناد النظر إليها إلا العيون الباصرة ، وهو في الدقة كما ترى ، ولذلك اختلف في فهمها العلماء قبل هذه المذاهب ، فقد روى عبد بن حميد عن مجاهد تفسير ( ناظرة ) بقوله : تنتظر الثواب . قال الحافظ ابن حجر : سنده إلى مجاهد صحيح ، والجمهور يرون فهم مجاهد غير صحيح ولكن المعتزلة والخوارج والشيعة يرونه صحيحا ، وفي الفريقين من أساطين علماء اللغة ما يسوغ لك أن تقول لكنه كمقابلة ليس صريحا ، أوليس قطعي الدلالة بحيث يعد حجة على جميع المكلفين ، ويمتنع جعل تأويله عذرا للمخالفين ، وقد كان النبي ( ص ) يعذر أصحابه في اختلاف فهمهم للنصوص ، ويقرهم على ما كان للاجتهاد فيه وجه وجيه ، كاخذ بعضهم بظاهر نهيه إياهم عن صلاة العصر إلا في بني قريظة إذ ذهب بهم إليهم ، وأخذ الآخرين بفحواه وهو عدم التخلف ، فصلى هؤلاء في الطريق وأدركوا معه بني قريظة في الموعد ، ولم يصل أولئك العصر إلا فيها . وكما فهم بعضهم تحريم الخمر والميسر من آية البقرة التي رجحت اثمهما على منافعهما فتركوهما ، ولم يتركهما من لم يفهم ذلك وهم الأكثرون إلا بعد نزول النص القطعي باجتنابهما فإذا مخضنا أسباب الخلاف من جهة النصوص وحدها وجدنا لكل من النفاة للرؤية والمثبتين لها ما يصح أن يكون له عذرا عند الآخر يمنع جريمة التفرق في الدين وجعل أهله احزابا وشيعا متعادية غير مبالية بما ورد فيه من الوعيد الذي كاد يجعله كالكفر ، ما دام كل منهم يعلم أن الآخر يؤمن بان جميع ما جاء